إنتلبريف: منصّات التواصل الاجتماعيّ والإعلانات السياسيّة

أوّل الكلام آخرُه: 

 

  • أعلن تطبيق تويتر الأسبوع الماضي أنّه لم يعد يسمح بنشر الإعلانات السياسيّة.
  • في حين أعرب مسؤولون في موقع فايسبوك عن خشيتهم من أنّ الاحتكام إلى شركات التواصل الاجتماعيّ في التمييز بين صحيح الأخبار وكاذبها قد يُسيء إلى الديمقراطيّة.
  •  وبالرغم من توظيف فايسبوك بعضًا من أفضل المبرمجين على مستوى العالم، واستخدامه خوارزميّاتٍ معقّدةً للغاية، فإنّ سجلّه حتّى الساحة لا يوحي بكفاءةٍ عاليةٍ إذا ما تعلّق الأمر بالتمييز بين المحتوى السياسيّ وغير السياسيّ.
  • وبالرغم من أنّ فايسبوك يُصرّ على أنّه لا يريد أن يكون الحكم الّذي يُميّز بين الحقيقة والكذب، فإنّ على الشركة أن تتحمّل مسؤوليّتها عن تنظيم المحتوى المنشور على منصّتها، والّذي أثبت في كثيرٍ من الأحيان إضراره بالمؤسّسات الأمريكيّة وبالديمقراطيّة.

 

أعلن تطبيق تويتر في الـ30 من أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي أنّه لم يعد يسمح بنشر الإعلانات السياسيّة، في خطوةٍ حاول من خلالها أن يظهر أنّ شركات التواصل الاجتماعيّ، أو بعضها على الأقلّ، وإن ابتغت الربح، لا تجعله فوق كلّ اعتبارٍ. وجاء هذا الإعلان في إزاء رفض موقع فايسبوك اتّخاذَ قرارٍ مماثلٍ خلال الأسابيع القليلة الماضية. ولأنّ نسبة روّاد تويتر أقلّ بكثيرٍ من نسبة روّاد موقع فايسبوك فلن يكون لهذه الخطوة الوقع نفسه الّذي قد يكون لها إن جاءت من فايسبوك. فخلال شهرٍ واحدٍ يستخدم 330 مليون مستخدمٍ تويتر ولو لمرّةٍ واحدةٍ، أمّا فايسبوك فيتخطّى عدد مستخدميه ال 2.41 مليار مستخدمٍ ناشطٍ حول العالم، وذلك كلّه بحسب الإحصاءات المعلنة من الشركتين. غير أنّ حجم تأثير هاتين المنصّتين في تأطير الآراء السياسيّة للعديد من الأشخاص حول العالم يجعل لهذا التضادّ بين موقفي الشركتين تداعياتٍ هامّةً. فالأرقام تشير إلى أنّ عدد مستخدمي فايسبوك من الأمريكيّين بلغ 169 مليون مستخدمٍ خلال عام 2019 أي ما يعادل أكثر من نصف إجماليّ الشعب الأمريكيّ، أمّا مستخدمو تويتر من الأمريكيّين من العام نفسه فقُدّروا بـ 68 مليونًا. وبحسب استطلاع رأيٍ أجراه مركز بيو للأبحاث فإنّ 45 بالمئة من الأمريكيّين يستخدمون فايسبوك لاستقاء بعض معلوماتهم الإخباريّة (ونصف هؤلاء لا يستخدمون سوى هذه المنصّة حصرًا). 

وقد أجرت الأحزاب السياسيّة بحوثًا على صعيد السوق فضلًا عن استطلاع رأي عيّناتٍ مختارةٍ تمثّل بعض المجموعات المستهدفة للبحث عن أمثل الطرق لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ في بثّ رسائلها السياسيّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ فايسبوك يُعدّ المنصّة الأولى الّتي تيمّمها الأحزاب السياسيّة للإنفاق على إعلاناتها. وبين أيّار/ مايو 2018 وتشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، بلغ مجموع ما أنفقته حملة الرئيس ترامب لإعادة انتخابه في انتخابات 2020 على إعلانات الفيسبوك 21.3 مليون دولارٍ، في حين بلغت النفقات الإعلانيّة للمرشّحين الديمقراطيّين مجتمعين 52 مليون دولارٍ. وسيكون لقرار فيسبوك الّذي يقضي بتجنّب فرض أيّ قيودٍ تطال الإعلانات السياسيّة، بما فيها تلك الّتي يمكن إظهار كذبها بسهولةٍ، تداعياتٌ كبيرةٌ على المجتمع الأمريكيّ. وأعرب رئيس مجلس إدارة فايسبوك مارك زكربيرغ ومسؤولون آخرون في الموقع عن خشيتهم من أنّ الاحتكام إلى شركات التواصل الاجتماعيّ في التمييز بين صحيح الأخبار وكاذبها قد يُسيء إلى الديمقراطيّة، لأنّه يُضيّق الخناق على الخطاب السياسيّ. إلّا أنّ موقع فايسبوك يسمح لحكومات بعض البلاد مثل تركيّا وباكستان وغيرها بإملاء شروطها الخاصّة بالرقابة السياسيّة على المحتوى المنشور عبر منصّته وذلك سعيًا منه لكسب ودّ هذه الحكومات.

نعم، يسعى فايسبوك إلى إزالة المحتوى الزائف إذا كان «منسَّقًا». وقد أقدم الموقع مؤخّرًا على حجب عشراتٍ من الصفحات الدعائيّة الروسيّة الّتي تستهدف الانتخابات في إفريقيا. ويسعى فايسبوك إلى التموضع في موضع المنصّة المحايدة الّتي لا تقيّد المحتوى إلّا إذا كان مفرطًا في عنفيّته أو إهانته، مطالبًا ألّا تُعتمد في التعامل معه المعايير التقليديّة المعتمدة في التعامل مع وسائل الإعلام. وبالرغم من توظيف فايسبوك بعضًا من أفضل المبرمجين على مستوى العالم، واستخدامه خوارزميّاتٍ معقّدةً للغاية، فإنّ سجلّه حتّى الساحة لا يوحي بكفاءةٍ عاليةٍ إذا ما تعلّق الأمر بالتمييز بين المحتوى السياسيّ وغير السياسيّ. وقد أبدت قيادة فايسبوك، حالها في ذلك حال قيادات شركات تواصلٍ اجتماعيٍّ أخرى مثل تويتر، حساسيّتها اتّجاه المزاعم حول «تحيّزها الليبرالي» واستهدافها أصوات المحافظين. 

وسيكون لفايسبوك ولمنصّات التواصل الاجتماعيّ الأخرى تأثيرٌ كبيرٌ في الانتخابات الّتي ستجرى في كانون الأوّل/ ديسمبر في بريطانيا وذلك بخصوص البركزيت، وتلك الرئاسيّة الّتي ستجرى في الولايات المتّحدة الأمريكيّة عام 2020. وقرار تويتر بوضع حدٍّ للإعلانات السياسيّة قد يُؤثّر سلبًا في الحملات الانتخابيّة الصغيرة الّتي لا يُمكنها تحمّل تكاليف الدعايات الإعلانيّة على فايسبوك، غير أنّه لن يكون له تأثيرٌ كبيرٌ في الحركات الكبرى. ومع اقتراب هذه الانتخابات المذكورة أعلاه، سيكون موقع فيسبوك بمثابة مردّد الصدى لعددٍ لا يُعدّ ولا يُحصى من الإعلانات الّتي سيكون بعضها، وعلى نحوٍ متعمّدٍ، مضلّلًا إن لم يكن كذبًا محضًا. وبالرغم من أنّ زكربرغ يُصّر على أنّ فايسبوك لن يكون الحكم الّذي يُميّز بين الحقيقة والكذب إلّا أنّ عدد المستخدمين الهائل الّذي يبلغ 2.8 مليار مستخدمٍ ينشرون بأكثر من 100 لغةٍ مختلفةٍ، يُلقي بمسؤوليّاتٍ جسيمةٍ على عاتق الشركة حيال تنظيم المحتوى المنشور على منصّتها، والّذي أثبت في كثيرٍ من الأحيان إضراره بالمؤسّسات الأمريكيّة والعمليّة الديمقراطيّة.

 

Subscribe to IB