إنتلبريف: التضليل الروسيّ في سياقٍ أفريقيٍّ

أوّل الكلام آخرُه:

 

– توسّعت روسيا في حملتها للتضليل الإعلاميّ فوصلت إلى القارّة الأفريقيّة حيث تسعى اليوم إلى نشر الدعايات المعادية للغرب والمؤيّدة لسياستها.

– وتعمد موسكو، بعد كلّ حملة تضليلٍ إعلاميٍّ تقوم بها، إلى تقويم جهودها المبذولة، وإعادة صياغة تكتيكاتها بشكلٍ مؤاتٍ للظرف الخاصّ، آخذةً بعين الاعتبار التدابير المضادّة.

– ركّزت الحملة الأخيرة على عددٍ من الدول الأفريقيّة وجمعت بين محتوًى محلّيٍّ وآخر دعائيٍّ للكرملين.

– وأصبحت حملات التضليل الإعلاميّ الّتي يُنفّذها الكرملين محورًا أساسيًّا في السياسات الخارجيّة والأمنيّة الروسيّة. 

 

وجدت روسيا بأنّ حملات التضليل والتأثير الإعلاميّة الّتي تعتمدها تُوفّر لها مردودًا ربحيًّا هامًّا بالنظر خصوصًا إلى أنّ الموارد اللازمة لمثل هذا الاستثمار متواضعةٌ. وخلال السنوات الثلاث الّتي تلت الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة عام 2016 الّتي تدخّلت روسيا في مجراها بنجاحٍ، اعتمدت الأخيرة هذا التكتيك بشكلٍ أساسيٍّ في نشاطها خارج حدودها الوطنيّة. وآخر الأمثلة على ذلك يشير إلى اهتمام روسيا البالغ بمصالحها  في الكثير من الدول الأفريقيّة ومن ضمنها الكاميرون، وجمهوريّة أفريقيا الوسطى، وساحل العاج، ومدغشقر، والكونغو، وليبيا، والموزمبيق، والسودان. وكانت حملات روسيا الأخيرة أكثر خفاءً من تلك الّتي سبقتها. وتعمد موسكو، بعد كلّ حملة تضليلٍ إعلاميٍّ تقوم بها، إلى تقويم جهودها المبذولة، وإعادة صياغة تكتيكاتها بشكلٍ مؤاتٍ للظرف الخاصّ، آخذةً بعين الاعتبار التدابير المضادّة. وأصبحت حملات التضليل الإعلاميّ الّتي يُنفّذها الكرملين محورًا أساسيًّا في السياسات الخارجيّة والأمنيّة الروسيّة. 

وأعلن موقع فايسبوك في الـ 30 من أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي بأنّه حجب ثلاث شبكاتٍ وعددًا كبيرًا من المجموعات والصفحات على تطبيقي فايسبوك وإنستغرام مَنْشَؤها روسيا. وكانت هذه المجموعات والشبكات والصفحات تُركّز على البلدان الأفريقيّة، بل إنّ بعضها كان يعمل منها. وأكّد موقع فايسبوك أنّ المواقع المدعومة من روسيا انخرطت في «سلوكيّاتٍ زائفةٍ منسّقةٍ»، وهو مصطلحٌ تستخدمه الشركة لوصف حملات التضليل الإعلاميّ. ورُبطت هذه النشاطات بِيفغيني بريغوزين وهو حليفٌ قريبٌ من الرئيس الروسيّ فلادمير بوتين. وقد أُدين بريغوزين في الولايات المتّحدة الأمريكيّة لضلوعه في التدخّل بشؤون الانتخابات الرئاسيّة لعام 2016. 

وقد وصل فايسبوك، بالتعاون مع مرصد ستانفورد للإنترنت ودوريّة الدايلي بيست، إلى نتيجةٍ مفادها أنّ الحسابات المعلّقة كانت تنسّق فيما بينها لبثّ دعايةٍ مؤيّدةٍ للأجندات الروسيّة من خلال اختلاق صفحاتٍ وحساباتٍ وهميّةٍ لشخصيّاتٍ حقيقيّةٍ من البلدان المعنيّة. ويبدو أنّ هذه المواقع والصفحات لم تُحجب بسبب المحتوى نفسه بل لأنّ الحسابات الّتي تنشر هذا المحتوى قد انخرطت في أعمالٍ منسّقةٍ وصفت بالزيف. وقد وصلت هذه المجموعات والصفحات والشبكات إلى عددٍ كبيرٍ جدًّا من المتابعين. فقد حصل المحتوى المنشور على أكثر من 1.7 مليون إعجابٍ، وكان يتمحور حول إعلاناتٍ دعائيّةٍ غير مباشرةٍ تختبئ في ستار تحليلاتٍ قامت بها وسائل إعلاميّةٌ روسيّةٌ مثل سبوتنيك وروسيا اليوم. واحتوت الرسائل على موضوعاتٍ تتناول إمبرياليّة الغرب وجشعه وأطماعه، مُؤكّدةً في المقابل أنّ روسيا جاهزةٌ للتعامل سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا مع الأمم الأفريقيّة على أساسٍ ندّيٍّ. 

 

رضخ موقع فايسبوك للضغوطات المتعاظمة الّتي يواجهها من أجل الوقوف في وجه الظاهرة المتفشيّة المتمثّلة بسوء استخدام منصّته عبر مجموعةٍ واسعةٍ من ذوي الأغراض السياسيّة. وكانت حملات روسيا الأخيرة في أفريقيا أكثر خفاءً من تلك الّتي سبقتها، حيث اعتمدت هذه المرّة على استخدام المحتوى المحليّ ودمجه بالمحتوى الموالي لروسيا من جهةٍ والمعارض للغرب من جهةٍ أخرى. إلّا أنّ صفحات التضليل الإعلاميّ كثيرةٌ، فما هو عدد الصفحات الّتي لم يستطع فايسبوك تحديدها والّتي لا تزال تنشط حتّى الآن؟ إنّ عدد مستخدمي فيسبوك الهائل يجعل من مهمّة مراقبة محتوى كلّ مستخدمٍ أمرًا صعبًا للغاية، فضلًا عن أنّ فايسبوك لم يبد في الماضي حماسةً لمثل هذا، بالرغم من أنّ بعض الآليّات التقنيّة لها أن تساعد في هذا إن أُحسن توظيفها. وبما أنّ موسكو لم تواجه أيّ تبعاتٍ لأعمالها، وبما أنّ عائدات هذه الأعمال ملموسةٌ، يعتقد كثيرون بأنّ حملات التضليل الإعلاميّ ستبقى الأداة المفضّلة الّتي يستخدمها بوتين. وستعمد موسكو إلى استهداف العمليّات الانتخابيّة عبر هذه الحملات، فضلًا عن تأطير الرأي العامّ في أقسامٍ فرعيّةٍ صغيرةٍ مسموعةٍ في البلدان والمناطق حيث تريد موسكو زيادة نفوذها وإضعاف خصومها. إنّ التدابير المضادّة الحاليّة لهذه الحملات، وتدابير التعافي الاجتماعيّ بعدها، لا تبدو كافيةً أو ملائمةً على الإطلاق، حيث تبدو محاولات كيانات القطاعين العامّ والخاصّ توحيدَ جهودها من أجل وضع إستراتيجيّةٍ مشتركةٍ لمواجهة هذا التحدّي بطيئةً ومتعثّرةً.

 

 

Subscribe to IB