إنتلبريف: أنظمة تجسّسٍ للبيع

أوّل الكلام آخرُه

 

–  بات من السهل اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى على الحكومات أو الأثرياء تشغيل مرتزقةٍ افتراضيّين للقيام بعددٍ كبيرٍ من النشاطات غير المشروعة من ضمنها عمليّات التجسّس وسرقة البيانات والترهيب والتحرّش الإلكترونيّ.

– يجب على الشركات الحصول على تراخيص من حكومات بلدانها تسمح لها بتصدير أنظمة المراقبة، إلّا أنّ القوانين الحكوميّة قد برهنت عن عدم كفاءتها فالعديد من الأنظمة القمعيّة حول العالم قد تمكّنت بالفعل من الحصول على هذه البرامج.

– الجغرافيا السياسيّة في هذه الحقبة تقوم على إعادة توزيع النفوذ ونشره خارج حدود الحكومات الوطنيّة، وهذا أمرٌ تسرّع من وتيرته التكنولوجيات المتكاثرة الّتي لا ينظّمها القانون الدوليّ.

– إنّ انتشار أنظمة المراقبة، واستخدام الأنظمة السلطويّة لها حول العالم يتطلّب قلقًا أكبر من المجتمع الدوليّ.

 

في تقريرٍ من ثلاثة أجزاءٍ حول وكالة بلاك كيوب، وهي وكالة استخباراتٍ إسرائيليّةٌ خاصّةٌ، وصف الإعلاميّ رونان فارو كيف روقب خلال فترة تحقيقه في تهم الجرائم المزعومة بحقّ هارفي واينستين والّتي تضمّنت اتهاماتٍ عديدةً بالاغتصاب. وفي أوّل مقالةٍ من هذه المقالات الّتي نشرتها مجلّة ذا نيويوركر، ذكر فارو أنّه كان يتلقّى بشكلٍ مستمرٍّ رسائل تطلب إليه الضغط على رابطٍ عبر الإنترنت من أجل استطلاع رأيه السياسيّ. وفي حين يزعم فارو بأنّه لم يضغط على هذه الروابط قطّ ولم يقم بفتحها، فإنّه في الوقت نفسه تمكّن محقّقون يعملون لدى «بلاك كيوب» من معرفة موقعه الدقيق، الأمر الّذي سهّل بشكلٍ كبيرٍ عمليّة مراقبته. وقد بات من السهل اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى على الحكومات أو الأثرياء تشغيل مرتزقةٍ افتراضيّين ومقرصنين مأجورين للقيام بعددٍ كبيرٍ من النشاطات غير المشروعة من ضمنها عمليّات التجسّس وسرقة البيانات والترهيب والتحرّش الإلكترونيّ.

وكثيرًا ما تستخدمُ أنظمةُ المراقبة الّتي تطوّرها شركاتٌ خاصّةٌ وتستخدمها في مختلف البلدان حول العالم التقنيّةَ القائمة على دفع الجهة المستهدفة إلى الضغط على روابط عبر الإنترنت. ومن هذه البرامج الأكثر استخدامًا اليوم برنامجا بيغاسوس وفينسباي. أمّا الأول فقد طوّرته المجموعة الإسرائيليّة NSO، وأمّا الثاني فقد ابتكرته الشركة الألمانية فينفشر. وللشركتين تاريخٌ حافلٌ بالصفقات المشبوهة الّتي عقدتها مع حكوماتٍ قمعيّةٍ ومنظّماتٍ غامضةٍ، وقد كشف اعلاميّون وناشطون الكثير من هذه الصفقات. فضلًا عن ذلك، فإنّ على هاتين الشركتين الحصول على إذنٍ من حكومتي بلادهما من أجل بيع هذه البرامج المذكورة للأطراف المهتمّة بذلك، وينبغي أن يُتحقّق من هذه الأطراف. وقدمت شركة فينفشر عرضًا أوّليًّا للحكومة المصريّة عام ٢٠١٠ بقيمة ٢٨٠ ألف يورو (أي قرابة الـ٣١٠ آلاف دولار)، في حين أنّ آخر التقارير تفيد بأنّ برنامج بيغاسوس يمكن بيعه اليوم بقيمة مليون دولارٍ أمريكيٍّ. 

وكشف سيتزن لاب أمر برنامج بيغاسوس بعد أن وصلت رسائل مشبوهةٌ للناشط الإماراتيّ أحمد منصور فما كان منه إلّا أن أرسلها إلى هذه المنظّمة الّتي تعنى بمراقبة الأمن الإلكترونيّ. وبعد أن استقصت منظّمة سيتزن لاب الشبكة العنكبوتيّة، نشرت تقريرًا عام ٢٠١٨ أفاد بأنّ لمجموعة  NSO ٣٦ مشغّلًا مختلفًا، أو زبونًا، ينشطون في ٤٥ دولةً حول العالم و١٠ من هؤلاء ينشطون في عمليّات مراقبةٍ تتجاوز الحدود الوطنيّة (وقد حاول عملاء بلاك كيوب عام ٢٠١٩ معرفة المزيد من المعلومات عن حدود معرفة الباحثين العاملين في سيتزن لاب بأنشطة مجموعة  NSO). وتزعم بعض التقارير بأن برنامج بيغاسوس قد استخدم في عمليّات التجسّس الّتي استهدفت عمر عبد العزيز وهو ناشطٌ سعوديٌّ يقيم في مونتريال وهو صديق جمال خاشقجي الّذي قتله عناصر مرتبطةٌ بمحمّد بن سلمان والحكومة السعودية عام ٢٠١٨ بطريقةٍ وحشيّةٍ. ويقاضي عبد العزيز اليوم مجموعة NSO لبيعها هذا البرنامج لأنظمةٍ قمعيّةٍ حول العالم. والتقارير على امتداد الأعوام الّتي تناولت شركة فنسباي كثيرةٌ بدءًا من مجموعة التقارير التي نشرتها وكيليكيس عام ٢٠١١. وفي عام 2015، نشر سيتزن لاب تقريرًا أكّد فيه أنّ أكثر من ٣٣ حكومة حول العالم تتعامل مع شركة فنسباي. وفي سبتمبر من العام نفسه، أطلق المدّعي العامّ في ميونخ تحقيقًا بحقّ فنفيشر لبيعها برنامجها لتركيا من دون الحصول على إذنٍ من الحكومة الألمانيّة.

 

أمّا وقد دخلت هذه البرامج حيّز التشغيل فإنّ القليل يمكن أن يعمل. إلّا أنّ من واجب حكومات البلدان المضيفة لهذه الشركات، ومن ضمنها الحكومة الإسرائيليّة والحكومة الألمانيّة، أن تتّخذ مجموعةً من الضوابط والتدابير المقيّدة لعمل هذه الشركات. فمن دون ذلك يمكن أن يتحوّل أيّ مواطنٍ في أيّ بلدٍ حول العالم إلى هدفٍ سهلٍ.. وقواعد الجغرافيا السياسيّة في هذه الحقبة تقوم على إعادة توزيع النفوذ ونشره خارج حدود الحكومات الوطنيّة، وهذا أمرٌ تسرّع من وتيرته التكنولوجيات المتكاثرة الّتي لا ينظّمها القانون الدوليّ. والنتيجة هي نشاطٌ سيبيريٌّ يمكن تشبيهه بعالم الغاب، حيث لا روادع ولا يسهل التعرّف إلى الفاعلين الحقيقيّين. وكما أنّ الاستحواذ على البيانات أمرٌ خطيرٌ، فإنّ انتشار أنظمة المراقبة، واستخدام الأنظمة السلطويّة لها حول العالم يتطلّب قلقًا أكبر من المجتمع الدوليّ.

 

 

Subscribe to IB